كانتْ جالِسةً أمامَهُ بينما يُراجع بعضَ الأوراقِ المهمة ، ألقَى نظرةً خاطفةً عليها فوَجدها على غير حالتها وعيناها تحُوم حَول كوبها تلاحق أصابعها وهي تدور على أطراف كوب الشاي الذي لم تشرب منه رشفةْ...! سَألها بِاهتمام: - مـَـا بِــك؟!! نقلتْ نَظَرها عليه وابتسمت ابتسامةً خفيفة ثمَّ أخذت نفسًا عميقًا وقالتْ: - بالأمس...وطوالَ السنين التي مَضَتْ كُنْتُ أتمنَّى أن أغلق عينَيَّ لأفتحهما فأراك حقيقيا أمامي ولكــ.... قاطعها ليقول لها: - أغلقيهما..!.هيا أغلقيهما ثم افتحيهما ولنر إن كنت سأظل هنا أم لا..! نظرت إليه نظرة لم يفهم معناها بالكامل أو ما كان يدور داخل رأسها...تركت الكوب ومدت له يدها - أمسكها ولنغمض أعيننا معا ولنفتحهما في الوقت ذاته..! أغمضها فورا فوجدتها فرصة لتمسح دموعها بكم قميصها الشتوي إلا وبه يقول: - أشعر بها حتى إن لم أرها..! أراحها كلامه..أشعرها بالأمان..فضحكت أراد أن يطمئنها ففتح عيناه قبلها...وقبل أن تحاول النطق بكلمة سبقها - أنَــا هُنــا...دائمــًا و أبــدًا..!
لا تطلبَ مني أن أفلت يدك كي تخرجَ نقودك لتدفع ثمن العشاء أو لأي سببٍ آخر ، فأنا لم أمضِ سنين عمري الطويلة في عيش الآلام وأوجاع الحنين والشوق مغلفَين بالصمت حتى أتركَ يدك...سأضمها إلى جانبِ قلبي عند موعد النوم ، وسأتمسك بها بقوة حين أضل الطريق ، إن قست الدنيا فسأنعم بحنانها ، وإن ضاع حلمي فسأعثر عليه في كفك....الخ
خلاصة الحديث يا عزيزي ( يدك ملكي ) ^_^ .
كان قد طلب مني بالأمس أن أترك يده كي يتمكن من إخراج النقود من جيبه ليدفع ، لم أرد ذلك حقا إلا أن اصراره وتكرير الطلب جعلاني أتركها...تألمت وشعرت بالحسرة على تلك الدقائق التي أضعتها في إمساك يد حقيبتي ، أردت أن أشرح له موقفي في وقت لاحق إلا أن كلماتي تخونني دائما أمام عيناه ، فقررت كتابتها كملحوظة....وضعتها بجانب طبق فطوره وسبقته للعمل .
في كل مرة يتحتم علي مراجعة قلبي ومشاعره نحوَه لأقنعه بأنه أكبرُ من مجرد لقبٍ أطلق عليه ، وأن الدنيا ستظهر لكِليْنا ما يخفيه بداخله وأننا سنشعر بمشاعر لطالما تخيلناها... لكنه يخونني دون أن يعلم يظن بأنني لازلت أعيش في غفلتي داخل قوقعتي التي بناها لي خصيصا ، أَوجد بداخلي الخوف والتوتر الدائمين ، حَفظ نقاط ضعفي وأخذَ يقضِي علي شيئا فشيئا ، علمني أنه يجبُ علي تحمل أخطاءَ تصرفاتِه وكيفيةْ علاجها ، أقنعني بأن حياتي ستكونُ فارغة وبأنني سأذوقُ عقوق أطفالي وسُم والدِهم الذي يُفترض بِه أن يقتلنِي ببطء..قسوتُ على نفسِي وكرهتُ من حولي وما حولي بسبب داء الكلمات التي نطق بها... أخاف ، أخاف من كل شيء..من الألم ، الدموع ، الضياع ، وحتى الابتسامة التي تشعرني بالذنب لأنني لست متألمة... في كل مرة أغض النظر وأراجع لقبه وما يجب علي فعله ، أتصرف عكس تيار رغباتي وأعطيه فرصة أخرى فيفاجئني بمكافأة يرميها حولي لتنفجر... تحملت فوق طاقتي ، كان يجدَر بي اللعب هنا وهناك لكنني أصبحتُ الإنسان المدافع..أصبحتُ ناضجة أتصرف تصرفات البالغين وأقلد حركاتهم فلقد لعبت دوري بمهارة دون كلل أو تعب ، حُوصِرتُ في دائرة الجدية رُغماً عني فقد حكمت علي الأيام ومواقفها أن أكون قوية ، مدافعة ، وحريصة على من حولي وما حولي. أرتني الحياة ما لم أكن أريد رؤيته ، أخبرتني الكثير حين أردت أن أكون جاهلة...لا أعلم إن كان هذا درسا من دروسها لكنها علمتني أن أقفلَ قلبي نهائيا عمن أرادَ رؤية ألمه ودمه...لا أستحق أن أتألم بصمتٍ ينهش جسدي من أجل مخلوقٍ مهما كانت مكانته..يجب علي أن أحرس روحي وقلبي عن أُناس لم يلقُوا لهُمَا بَالاً ، فلو كان القلبُ مُلكًا له...لوجدتموه ساكنا منذ زمن بعيد... يجب على تلك المشاعر أن تَظهر حتى لا أتحول إلى بليدةٍ مشاعِرهَا جامدة..لكنها لن تكون مشاعِرَ حُزنٍ مُثْقَلة بِهَم لأنني سأحولها لمشاعر غضب تمكنني من الوقوف والمواجهة فالحزن كان سببٌ في سقوطي وصمتي الذي كاد أن يكون مؤبد...فأما الآن أنا غاضبة وعندما يغضبُ المرءْ فإنه يتكلم..لن أجعل قلبي يتحمل المزيد بسبب أشخاص لا يعنوا لي الكثير... راودتها الكثير من الأفكار المتدفقة التي حرمتها من ساعات النوم القليلة المتبقية لها قبل أن تشرق الشمس ، رُغم جبروت وتسلط أفكارها إلا أنها استطاعت أن تنهض من على السرير لتستحم في تلك الساعة المتأخرة..لتغسل أفكارها من رأسها دون أن تودعها وتنعم بقسطِ من الراحة...
عندما يضيعُ الحلم سأجده في بريقِ عينيك..وعندما يسرقُ مني شعور الأمنِ والأمان فسأشعرُ به في لمسةِ يديك..إنْ أحرقتِ الدنيا روحي فسأستطيعُ العيشَ بالقربِ من روحِك إن ضممتني إليها ، ولن أهتم إنْ تحطم القلبَ أو مات طالما قلبُك ينبض بالحياة..
أما إن كنتَ حقا بخير..
فأنا حقا بخير
ولن آبـَـه للدنيا ولا بمن فيها طالما كنتَ بقربي وأشعر بقربك..
مازلتُ أزورُ ذلك المكان حتى اليوم فقد اعتدت عليه ولم أقوَ على فقدانه أو تحمل ألمَ فراقِهْ...أصبحَ أغلى من البحر وأجملَ من السماءِ وسحابِها.
أزورُه كل يوم لأتنفسَ الصعداء خارج صندوق الحياة ثم أختار حروفي وأجمعها كي تشكل لوحةً تعكسُ ما بداخلي دون الحاجة للكلام..أفيقُ من غفوتي لأعودَ لذلك الصندوق ، أقضي بقيةَ اليوم حتى يأتِي الغد فأعودَ لأجدَ حروفي قد مُحِيَت دون أن تُقرَأ..
لكنني أستمر بالكتابةِ من جديد حتى أغفو..
ثم يوقظني جرسُ الصندوقِ ليعيدني فتصبحُ الخُطى أثقل وكأن نفسي تُخبرنِي بأن حُلُمِي كبير و واقعي أوهام فلمَ العودة..! يا نفسي ألا تعلمين أن أشد الألم ألمٌ لا يُبكى ولا يُحكى..! فألمي أنا موجودٌ في الواقع وفي الحلم...
سأكررُ الزيارات على ذلك المكان خَشيَةَ أنْ يَنسَى رائِحتي أو هَمْسَ خطواتي...
لطالما حدقت طويلا في تلك الصورة أتخيل حياتي لو كانت بتلك البساطة وبذلك الهدوء وبالشمس الدافئة التي ستحرق همومي رُغم حرارتها المعتدلة... أستيقظ كل يوم على صوت الأمواج المتراطمة , المختلطة بصوت طيور النورس فوقها لأشاهد شروق الشمس وتسلل أشعتها من بين الغيوم حتى تلامسَ الطرف اللانهائي من البحر ثم أدخل ذلك المكان الآمن لأعد الفطور ، سأجدد الهواء في رئتي ، سأفرغ رأسي من الأفكار المزعجة , و أسلم همومي لأشعة الشمس ثم أعيد بناء نفسي من جديد وتحصينها ، سأغسل قلبي بمائِه ، ٍسأولد من جديد وسأرحل عن العالم الذي عرفته سأصنع عالمًا خاصا بي حيث سأجد مصدرَ سعادتي برفقتي ، سأكتشف نفسي التي أقسمت على ألا يفهمها مخلوقٌ سواهْ , سأكون حرة...فكم هو جميل أن يكون المرء حرًا ! سأتحرر من قيودي وأتمسك بخيالي...فقد يأتي يوم أحلق فيه مع الطيور أو أبحر على ظهر دولفين أو أجد مبلغا من المال تحت وسادتي...الخ ، من يعلم؟! ربما خيالي سيصبح حقيقة وربما لا ، قد أعيش في تلك الصورة وقد لا أعيش ، إن حُرمت منها في الواقع فسأعيشها في حُلمي...فخيالُنا غذاء لأحلامِنا.
"ابحثوا عن صورة في ملفاتكم أو أوقاتا لن تعود أو وجوها أحببتموها تأملوها وحدقوا بها ثم أغمضوا أعينكم وناموا ولكن دعوا الخيالَ يُرسَم...لا تحاولوا أن تفتحوها حتى لا يلوثها الواقع فَتتدنسُ سريعًا..."